أبريل 2019

تدقيق لغوي ومراجعة : نُهير عماد

تجري نقاشاتنا عادةً في غرفٍ مغلقة، مكتبنا الصغير أو في بيت واحدةٍ منا، نتنقل بحرية، ونتشارك انعكاساتنا عن عملنا، وواقعنا اليومي؛ السياسي والاجتماعي ومؤخرًا الاقتصادي بصفتنا نسويات تسكن مدينة القاهرة. صنعت منا «اختيار» فريقًا نسويًا بهوية أفريقية، ننتج معارف باللغة العربية من واقع سياقنا المحلي، ونحاول عبرها تطبيق رؤيتنا عن بناء حركةٍ نسوية. شاءت الفرصة والصدفة أن تحضر ثلاثة منا المساحة التي نظمتها مجموعة «كريا» CREA في الفترة من  ١٠ – ١٢ أبريل ٢٠١٩. 

تأسست منظمة كريا عام ٢٠٠٠ في الهند، مقرها في العاصمة نيو دلهي وهي من المنظمات القليلة التي تعمل عالميًا وإقليميًا ومحليًا على حقوق النساء من منطلقٍ نسوي، بقيادة وإدارة نساء من الجنوب العالمي، وبعد ما يقرب من ١٩ عامًا في العمل على الدفع بالقضايا الخاصة بحقوق النساء والفتيات، إضافة إلى الحقوق الإنجابية والجنسية وتقاطعاتها المختلفة. دعت كريا إلى المشاركة في تجمع  لإعادة «التفكير، والتخيل، والتحفيز» لحركتنا النسوية.

مثلت المنظمة للكثير منا بصورة شخصية، ولمجموعتنا عمومًا، بوصلة ومثالًا لكيفية بناء حركة قوية بالمعرفة والتعلم وربط إنتاج كل منهما بالعمل القاعدي، ووفرت لنا مساحات من التعلم في مناسبات عديدة منذ بدء اهتمامنا بالعمل النسوي، مما ساعدنا علي تطوير رؤيتنا الخاصة والتعرف على تقاطعات مختلفة في القضايا الخاصة بحقوق المرأة، والنسوية، والحقوق والصحة الجنسية والإنجابية، بجانب تقديمها لفرص لم تشترط سنوات الخبرة في المجال أو المؤهل الأكاديمي، إنما اشترطت فقط الرغبة في التعلم وهو كل ما كنا نملكه وقتها.

جاءت الدعوة مرفقة في البريد الخاص لكل منا ومعها فرصة لإعادة التلاقي والتواصل مع نسويات تعلمنا منهن وتأثرنا بهن من دول الجنوب العالمي من خلال عملنا مع بعضهن ومتابعتهن، وحُلمنا بالعمل مع أخريات غيرهن. 

ضمت المساحة الخاصة بالتجمع ٥٠٠ فرد من مختلف الخلفيات والاهتمامات والهويات من جميع أرجاء العالم، وذلك بالتركيز على الجنوب العالمي ليثرن نقاشات ويشاركن المعرفة حول خطوط المؤتمر الرئيسية؛ وهي الإجهاض، والتراضي Consent، والاحتياجات الخاصة، والعدالة البيئية، و«الانبساط والخطر Pleasure and Danger»، والعمل في الجنس، والتنوع الجندري والجنسي، والرياضة، التكنولوجيا. 

وصلنا لمدينة كاتماندو حيث عقد التجمع منهكاتٍ من الرحلة الطويلة زمنيًا وجغرافيًا، حاملات إحباطات نتيجة لوجودنا في سياق وواقع شرس في محليته، يجعلنا نغفل أحيانًا عن التوقف والنظر إلى ما هو أبعد عنه. منذ لحظة الوصول، يلاحظ الواحد تجسد كلمات مثل «حركة، وأختية، وإتاحة المساحات، وتقاطعية» في الوجوه المحيطة به، والمرحبة به في القرية الصغيرة التي ستكون قريتنا المحببة مؤقتًا، وجوه ليست بالغريبة، تقابلنا مرة أو أكثر، سواء بتعاوننا أو عملنا أو اشتباكنا في نقاشات معها، أو ببساطة بتشاركنا سيجارة في ما بين الجلسات محتفيات بالفرصة التي أتيحت لنا للقائها من جديد. يجمعنا الحلم ونحتفي بالاختلاف.

صممت مساحة المؤتمر بصورة تتيح الحركة للمتعايشين/ات مع احتياجات جسدية خاصة وتسهيلها، منها مساحات وفرها المكان ومساحات بُنيت خصيصًا بجهود كريا والمتطوعين. اتذكر سياقنا علي بعد ساعات جغرافيا قليلا ما تذكر النساء والافراد ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين قليلًا ما نفكر في إتاحة المساحة الكافية لهم لينضموا إلى هذا النوع من المحادثات، ليس بدعوتهم فقط لكن ببذل مزيدٍ من الجهد بخصوص ما تعنيه كلمة «إتاحة»، فقد نرسل الدعوات دون بذل الجهد الكافي لتوفير أماكن تسع الأشخاص من ذوي الاحتياجات الجسدية والعقلية المختلفة.

ووفرت مساحة المؤتمر أشكالًا تختلف عن الأشكال المتعارف عليها للمساحات المخصصة للنقاش والعروض والورش. بعضها اعتمد على الشكل التقليدي من المناقشات، أي في غرف مغلقة، وأخرى تمثلت في جلسات يقودها خبراء وعاملون في المجال، وورش عمل مختلفة مثل ورش الكتابة الإبداعية، وتقديم مشروعات، وإقامة عروض فنية، إضافة إلى مساحات مفتوحة تحت عناوين مختلفة، وغيرها.

تفرقنا محاولات استكشاف أكبر قدر ممكن من المساحة في وقت لا يتعدى الثلاثة أيام، فكل النقاشات مثيرة للاهتمام، والاختيار لك وحدك لاتباع ما يرضي «شغفك».

وجدت مساحات مفتوحة محضرة مسبقًا من مجتمعات محددة بالتعاون مع كريا للتركيز على تيمات مثل: «العمل في الجنس، والانبساط والتكنولوجيا، والاحتياجات الخاصة» وتقاطعها مع التيمات الخاصة بالمؤتمر، ويقودها ويشرف عليها المتأثرين بتلك القضايا والمتعايشين معها ليُقدَّموا ليس كأرقامٍ، أو ضحايا، أو فئة مستهدفة، بل كجزءٍ اساسي من حركتنا قادر على نقل تعقيداته الحياتية وصراعاته بطرق وأشكال مختلفة. 

فعلي سبيل المثال، دار حديث حول التراضي في إطار مجتمع التقييد والتأديب والسّادو – مازوخيّة BDSM بقيادة أفراد من دول الجنوب. مثلت المناقشة بين الميسرين والحضور مساحة مختلفة لاستكشاف كيف يمكن ممارسة التراضي بأشكال مختلفة، مع التركيز على أنسنتها، والتعامل مع أبعاد الفكرة، وليس كمجرد تعريف صارم أو دليل إرشادي لا يقبل سوى إجابات «نعم، أو لا». استكشفت الورشة مبدأ التراضي كمساحة للعب والرغبات المختلفة القابلة للتفاوض، فرغباتنا أحيانًا تقع ضمن منطق: «لا أعلم، ليس الآن، ربما لاحقًا»، وتعرفنا فيها عن كيفية ضمان مساحة تعبر فيها الأطراف المشاركة في العملية عن رغباتهم المختلفة والمتغيرة عبر ممارسة ما يُسمى Informed consent. ليس عليك أن تُعرّف نفسك بصفتك منتميًا لمجتمع التقييد والتأديب لاستعارة الاستراتيجيات والنقاشات المختلفة المتعلقة بالتراضي، أو المحاسبة، أو السلامة، والرغبة والاعتراف بأهمية إدماجها في النقاشات النسوية المتعلقة بالتراضي حيث يفتقد النقاش المتعلق بالتجريم والقانون في فهم وتوسيع النقاش خارج المساحات الجامدة للقبول والرفض.

 توسيع النقاش وإشراك المجتمعات المختلفة فيه هو عملية مستمرة لخلق استراتيجيات فعالة للمحاسبة المجتمعية التي لا تنتهي تحت مسمي العقاب، ومن بينها المحاسبة المجتمعية التي تسعى للعدالة بشكلها الأوسع ولا تتجاهل ثقافة الاغتصاب والأبوية التي يجب مواجهتها كجذر أساسي علينا التعامل معه بدلًا من الحلول المؤقتة، وقلب الموازين عن طريق إشراك الناجيات في العملية ليس بصفتهن شاهدات أو مدعيات يقع عليهن عبء إثبات كونهن الضحية «المثالية» التي لا توصمها ثقافة الاغتصاب بأنَّها من سعت لذلك الفعل أو سهلته عن طريق «شخصيتها، أو ملابسها، أو ممارساتها الشخصية، أو هويتها، أو غيره». تحتل الناجيات في المحاسبة المجتمعية مركزًا محوريًا أكبر يسعى لتحقيق العدالة وأيضًا تسهيل عمليتي التعافي الفردية والجماعية، إذ تتحول الناجيات من مجرد ضحايا إلى فاعلات ومسهمات في خلق استراتيجيات تسعى لخلخلة جذور ثقافة الاغتصاب.

في عرض فيلم «أن يكون الفرد أفريقيًا وثنائي الجنس» قدمت لنا المساحة وجه من حركة ثنائي الجنس البيولوجي من جنوب أفريقيا، عن طريق عرض قصة أحد أعضائها؛  يطل علينا الوجه الأفريقي ويتتبع رحلة أم سوداء فقيرة من الأحياء الشعبية في جنوب أفريقيا في ظل هيمنة المؤسسات الطبية الغربية البيضاء، وهي عاجزة عن التشكيك في قراراتها حول طفلها، قرر الأطباء أن الطفل يقع في مكان ما في المنتصف، وعليه اقترحوا عليها أن يخضع لعملية «تصحيح بيولوجي» لتسكينه بهدوء في إحدى خانتي الذكر والأنثى. 

رفضت الأم العملية مما اعتبره الأطباء جهلًا، فها هي امرأة فقيرة أفريقية أخرى تجهل الأفضل لطفلها، لذا كان إخضاع الطفل للعملية بالإجبار هو القرار الطبي الأكثر حكمة، فالمؤسسات الطبية تمتلك هذه السلطة، مما دفع الأم للهرب متنقلة من مكان لآخر، مصرة على تنشئة الطفل دون تدخل جراحي أو فرض إحدى الهويات الجندرية عليه. فالطبيعة جعلته في المنتصف، وكان عناد الأم هو السبب في محاربتها لمصلحة حق الطفل في اختيار طريقه بعد البلوغ أو وصوله لسن الرشد. يذكرنا الوجه الماثل في الشاشة بالهيمنة الأبوية للمؤسسات الطبية، تلك السلطة المطلقة غير الخاضعة للنقاش والتفاوض باسم العلم. يتركنا ذلك الوجه الماثل أمامنا صوب سؤال مثير للاهتمام: «لماذا يعترف الغرب بضرر ممارسات مثل الختان، لكنه يغض النظر عما يحدث خلف الأستار من عمليات التصحيح الجنسي والاعتراف بضررها لأن من يجريها رجل في معطفٍ أبيض، وليست امرأة سوداء من العالم الثالث». 

في الجلسة الرئيسية في اليوم الثالث من المؤتمر المعنونة “لذات التكنولوجيا وخطورتها” ركزت مداخلة «روبشا ماليك 1» على التكنولوجيا الإنجابية، بين ما جلبته من فائدة وتنوع لاختيارات النساء الإنجابية، وما فرضته من قيود على اختيارتهن، وكيف ينبغي لهن أن يتحررن من أي توقعات مؤسساتية ومجتمعية فرضت عليهن. كان «السونار» المثال الذي استحضرته روبشا، وكيف غيرت هذه التكنولوجيا تجربة الحمل للنساء؛ عندما يكون الحمل متوقعًا ومخططًا له نحتفي به بطباعة صور الجنين، مصحوبة بإشارات مجندرة تأصل التصورات الجمعية عن الأنماط الجندرية، وكيف بأنسنة الجنين نسهم في تعزيز سرديات مناهضة الحق في الإجهاض، على وتيرة «قتل روح» أو «التدخل في القضاء والقدر». ذكرتنا روبشا بمكتسب من مكتسبات تكنولوجيا الإنجاب؛ وهي حبوب الإجهاض وكيف عززت سيادة الفرد الذاتية في اتخاذ قرار بخصوص الحمل غير المرغوب فيه، وما هو دور الإنترنت في تيسير الحصول على حبوب الإجهاض في جميع أنحاء العالم. تلى ذلك مشاركة من ضيفة أخرى، ناقشت أيضًا السونار وتحكم صور الأجهزة الطبية في مستقبل الأجنة التي يبدو أنها قد تعاني من إحدى الاحتياجات الخاصة؛ والنهايات الحتمية للحمل في حضور التقارير الطبية في مثل تلك الحالات.

للتكنولوجيا تعصب عرقي وجندري؛ في مقطع فيديو حول الذكاء الاصطناعي، لم تتأهل «سوجورنر تروث» لمعطيات التكنولوجيا المعقدة في التعرف على النساء، وظهر جنسها كذكر.نتسائل حول سياسات التكنولوجيا وصانعيها وتداخلاتها القهرية في هوياتنا وما نعرفه عن أنفسنا، وهي بذاتها اللوغاريتمات التي تشكل محيطنا الافتراضي وتسكن معرفتنا الجمعية بما يوقنه الفاعلين في سيليكون فالي/ وادي السيليكون في كاليفورنيا، عن العالم.

يبقى أثر ما قالته  «جاك سم كي 2» معنا «لا يمكننا الاختباء من الماكينة وحماية أنفسنا منها، بل يجب أن نتذكر أن الماكينة من الممكن إن تكون مصممة لترسخ المستقبل الذي نريد أن نعيشه؛ بدءًا من جعل الإنترنت نسويًا »، تشير الماكينة هنا إلى التكنولوجيا وقوة الاقتصاد والمتحكمين في القرارات ورائها، فالماكينة متوحشة بتوحش الاقتصاد المبني على البيانات الخاصة بنا، التي لا نوافق مسبقًا بأن تستخدمها الشركات وتبيعها، قد تبتلعنا تلك الماكينة حقًا داخل المرآة السوداء، لكن موقعنا هنا في ديناميكيات القوة يتغير بإعادة توجيه التكنولوجيا، وتسخيرها لصالح حركاتنا واختراع منصات جديدة تستوعب سياساتنا النسوية. تجعلنا جاك نتوقف لوهلة ونفكر في مشاكستنا الفردية والجماعية للتكنولوجيا، نحن من خلالها نتواصل، ونصل للمعرفة، وننظم أنفسنا وحركاتنا، ونجد الفرص، لكننا رافضات تغذية الماكينة، فبعض منا يلجأ للمجهولية، وتشفير بياناتنا قدر المستطاع. وأيضًا نغذي الماكينة بمحتوى موجه للنساء والأجساد الكويرية للحد من وطأة الواقع القهري الذي نعيشه. 

تحاورنا وتذكرنا الجلسات المختلفة للمؤتمر بأن النسوية أكثر من مجرد «مرجع أكاديمي»، فهي إيديولوجيا حية بحيواتنا،  والعدسة النسوية تحلل مؤسسات القهر الذي وصفتها «شيرالاثا باتيوالا» بأنها «أبوية، ونيوليبرالية، و معيارية المغايرة» وهي هياكل  تقهرنا جميعًا بفرض وصاية على أجسادنا وتهدد استقرارنا حين تهدد للعدالة البيئية وتنهب أراضينا.

عدنا إلى مدينتنا ومكتبنا متأثرات بتلك النقاشات التي ترتبط ارتباطا وثيقًا بأساس عملنا وخطوطه وأدواته، وبالرغم من البعد الجغرافي، فسياقنا ورؤيتنا لنشاطنا كانا حاضرين معنا. كانت المظلة التي جمعتنا تقاطعية التكنولوجيا والجسد، ويتمثل عملنا في التنظير حول حيواتنا بصفتنا نساءً يتفاعلن مع العالم المحيط، محاولات التركيز على التجربة الشخصية، والكرامة الجسدية، والإنترنت النسوي، وخلافه. تساعدنا النقاشات على إيجاد صياغات أخرى نصف بها عملنا، صياغات لا تفصل القضايا/الاهتمامات بل تذيبها؛ فنحن نسجل ونكتب وننشر، لاستعادة ملكيتنا حول أجسادنا ومصائرنا وواقعنا وبياناتنا. بمشاركة تجاربنا مع ما التقيناهن هناك، وجدنا أننا نهدف إلى الشيء ذاته، مع اختلاف سياقاتنا التي قد تتشابه أحيانًا. 

 نقدر المعرفة الجمعيّة للحركة النسوية عالميًا، ولذلك نقدم هذه الورقة في مبادرة مننا لمشاركة انعكاسات وتربيطات  ومصادر، عن مساحة جديدة شهدناها واستكشفناها . 

للمزيد من القراءات: 

تغطية كريا لجلسات المؤتمر

REPRODUCTIVE TECHNOLOGIES – A FEMINIST ANALYSIS

Artificial intelligence is too white and too male

GENDER IDEOLOGY: TRACKING ITS ORIGINS AND MEANINGS IN CURRENT GENDER POLITICS

Share Button

Footnotes

    • Rupsa Malik ناشطة نسوية هندية، تدير برامج منظمة “كريا”. 

    .

  1. Jac Sm Kee ناشطة وكاتبة نسوية ماليزية تعمل على الحقوق المرتبطة بالإنترنت وتقاطعها مع الجنسانية وتركز بالأخص على البناء السياسي للحركات في عصر رقمي. .